مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
277
تفسير مقتنيات الدرر
كلّ مرّة للمؤمنين لصار الإيمان ضروريّا وهو خلاف التكليف والحكمة ، والعاقل لا يغترّ بالحظوظ الفانية واللائق أن يجتهد فيما هو خير . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 139 ] وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 139 ) . أي لا تضعفوا من الجهاد بما أصابكم من الجراح يوم أحد * ( [ وَلا تَحْزَنُوا ] ) * على من قتل منكم . وهذا النهي ورد للتسلَّي والتصبير لا النهي عن الحزن وذلك أنّه لمّا انهزم المسلمون في الشعب وأقبل خالد بن الوليد بخيل من المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل فقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : لا يعلنّ علينا ، اللَّهم لا قوّة لنا إلَّا بك اللَّهمّ ليس يعبدك بهذه البلدة إلَّا هؤلاء النفر فنزلت الآية وقام نفر رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتّى هزموهم وعلوا المسلمون الجبل ، فذلك قوله : * ( [ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ] ) * وأصله « الأعليون » واحده « الأعلى » ومؤنّثه « العليا » وجمعه « العليات والعلى » وحذفت الياء كراهة الجمع بين أخت الكسرة والضمّة أي والحال أنتم الغالبون * ( [ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ] ) * والجواب محذوف دلّ عليه المذكور أي إن كنتم مؤمنين لا تهنوا ، فإنّ الإيمان يوجب قوّة القلب . قوله : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 140 ] إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُه ُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّه ُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّه ُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 140 ) . أي إن يصبكم قرح - بفتح القاف وبضمّها - كالشهد والشهد ، وقيل : إنّ القرح - بالضمّ - الجراحات بأعيانها ، والقرح - بالفتح - ألم الجراحات * ( [ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ ] ) * أي الكفّار يوم بدر ، وقتل المسلمون من الكافرين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين وقتل الكافرون من المسلمين بأحد سبعين وأسروا سبعين . والمعنى إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله ولم يضعف ذلك قلوبهم ولم يمنعهم عن معاودتكم بالقتال فأنتم أولى بأن لا تضعفوا فإنّكم ترجون من اللَّه ما لا يرجون . * ( [ وَتِلْكَ الأَيَّامُ ] ) * إشارة إلى أوقات الظفر والغلبة * ( [ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ] ) * أي نصرفها بينهم نديل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى و « المداولة » نقل الشيء من واحد إلى واحد يقال : تداولته الأيدي أي تناقلته ، وليس المراد أنّه تعالى تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين